حذرت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان من صعود الاستبداد والميليشيات ومنطق القوة على حساب القانون الدولي وحقوق الإنسان، معتبرة أن العالم يشهد تحولا خطيرا من نظام تحكمه القواعد والمؤسسات إلى عالم تحكمه القوة المجردة.
وخلال مشاركتها في جلسة بعنوان عصر المفترسين ضمن مهرجان اقتصادي في مدينة تورينو، ربطت ذلك بالأزمات والحروب القائمة في اليمن وفلسطين وقطاع غزة وسوريا والسودان وإيران، معتبرة أنها ليست أحداثا منفصلة، بل تعبير عن أزمة عالمية أعمق تتراجع فيها العدالة وتتقدم فيها المصالح والنفوذ والسلاح.
عصر المفترسين
وقالت توكل كرمان إن العالم يعيش اليوم "عصر المفترسين"، في إشارة إلى تصاعد النزعات الاستبدادية والحروب واتساع الفجوات الاقتصادية وتراجع منظومة القيم الإنسانية والقانون الدولي، مؤكدة رفضها لتحويل العالم إلى غابة تحكمها القوة ومنطق الافتراس.
وأوضحت كرمان أن عنوان الجلسة يعكس واقعا عالميا خطيرا يُدفع فيه البشر نحو خيارين فقط: إما أن يكونوا مفترسين أو ضحايا”، مشددة على أن الإنسانية قادرة على بناء عالم مختلف قائم على العدالة والتعاون والكرامة الإنسانية.
وأضافت كرمان أن "المهمة الحقيقية ليست الاختيار بين الافتراس والخضوع، بل اختيار الإنسانية"، معتبرة أن البشرية تمتلك القدرة على تجاوز منطق الغاب وبناء نظام عالمي أكثر عدالة واحتراما للحقوق والحريات.
الدين لتبرير القمع والعنف
وتطرقت كرمان إلى ما وصفته بالظاهرة الخطيرة المتمثلة في استخدام الدين كأداة سياسية لتبرير القمع والعنف والكراهية والاحتلال ومصادرة إرادة الشعوب، مؤكدة أن هذه الظاهرة لا تقتصر على العالم العربي، بل تتكرر بأشكال مختلفة في عدة مناطق حول العالم.
وأشارت إلى أن المستبدين في المنطقة العربية استخدموا الدين ضد الحرية والديمقراطية، معتبرة أن الأمر ذاته يتكرر في الغرب، وخصوصا في الولايات المتحدة، من خلال توظيف نصوص دينية لتبرير العنف والاحتلال والمجازر.
وأكدت أن المشكلة ليست في الأديان نفسها، بل في توظيفها لخدمة مشاريع الهيمنة والاستبداد، مشددة على أن الرسالات الدينية في جوهرها قامت على الرحمة والعدل والسلام واحترام الإنسان.
الدعوة إلى عولمة عادلة
اقتصاديا، تحدثت كرمان عن اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وبين الدول الغنية والفقيرة، معتبرة أن أحد أسباب ذلك يعود إلى نموذج العولمة الذي سمح لفئات محدودة بتحقيق مكاسب هائلة، بينما تُركت مجتمعات كاملة على الهامش.
وأكدت أنها لا ترفض العولمة، لكنها تدعو إلى عولمة عادلة وشاملة تضمن استفادة الجميع من التنمية والثروة، ولا تجعل الثروات متركزة في أيدي قلة محدودة.
كما شددت على ضرورة ربط الربح الاقتصادي بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، موضحة أن الربح الحقيقي يجب أن ينعكس في بناء المستشفيات والبنية التحتية وتحسين حياة الناس والاستثمار في مستقبل المجتمعات.
وانتقدت توكل كرمان "الرأسمالية الجشعة" التي تجعل الأغنياء أكثر غنى والفقراء أكثر فقرا، وتؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى وتحويل الإنسان إلى مجرد سلعة أو رقم داخل منظومة اقتصادية ضخمة.
اليمن نموذج لصراع القوى الإقليمية
وربطت كرمان هذه الرؤية بالوضع في اليمن، قائلة إن اليمن يمثل نموذجا واضحا لكيفية عمل المفترسين السياسيين والإقليميين، مشيرة إلى أن اليمنيين حاولوا عبر ثورتهم السلمية بناء مشروع دولة ديمقراطية قائمة على الحرية والعدالة، لكن قوى إقليمية تدخلت لإفشال هذا المسار.
وأضافت أن شعوب المنطقة تعاني من صراعات تتجاوز حدودها الوطنية، نتيجة تداخل التدخلات الإقليمية والدولية بهدف السيطرة على الثروات والمواقع الاستراتيجية وإبقاء الشعوب رهينة الفقر والاستبداد والتبعية.
رفض الحروب الخارجية
وفي حديثها عن إيران، فرّقت كرمان بين النظام والشعب، مؤكدة دعمها لحق الشعب الإيراني في النضال من أجل الحرية وإنهاء الاستبداد، لكنها في الوقت ذاته رفضت تقديم الحروب والتدخلات العسكرية الخارجية باعتبارها طريقا للتحرر.
وقالت إن تجارب التدخلات العسكرية في العراق وأفغانستان أثبتت أن التدخل الخارجي لا يصنع حرية حقيقية للشعوب، بل يخلق أزمات وتعقيدات جديدة.
مستقبل تقوده الشعوب
وأعربت كرمان عن تفاؤلها بالمستقبل رغم تصاعد الاستبداد والطمع والهيمنة، مؤكدة وجود وعي عالمي متزايد، خصوصا بين الشباب، يرفض الاستبداد والرأسمالية المتوحشة والاستغلال.
وقالت إن هناك معسكرا متناميا من الأحرار حول العالم يؤمن بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، معتبرة أن معركة المستقبل ليست بين مفترسين وضحايا، بل معركة من أجل استعادة الإنسانية المشتركة.
واختتمت توكل كرمان بالتأكيد على أن انتصار الحرية والعدالة ممكن إذا توحدت الشعوب وآمنت بأن بناء عالم أكثر عدلا وسلاما ليس حلما مستحيلا، بل مسؤولية جماعية تقع على عاتق الجميع.
لمشاهدة الكلمة اضغط (هنــــا)





