أكدت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، أن معركة حقوق المرأة لا يمكن تجزئتها أو حصرها في برامج تمكين رمزية، بل هي في جوهرها معركة من أجل الحرية والديمقراطية ومناهضة الاستبداد بشقيه المحلي والعالمي.
جاء ذلك خلال كلمتها في "المنتدى العالمي حول الديمقراطية والتكنولوجيا ومستقبل البشرية" المنعقد في العاصمة الألمانية برلين خلال الفترة 16 - 17 فبراير الجاري، ضمن مبادرة "حوار تقدم المرأة".
معايير حقوقية ناقصة وازدواجية دولية
وانتقدت كرمان المعايير الحالية لقياس تقدم الدول في حقوق المرأة، واصفة إياها بالناقصة إذا ما اكتفت برصد السجل الداخلي للدولة مع تجاهل سياساتها الخارجية.
وأشارت كرمان إلى أن الدولة التي تحترم حقوق المرأة داخل حدودها بينما تدعم الأنظمة المستبدة أو الاحتلال أو الانقلابات في الخارج، لا يمكن اعتبارها ملتزمة حقيقية بحقوق الإنسان، مشددة على أن الدفاع عن الحقوق في الداخل لا يستقيم مع تقويضها في الخارج.
وحذرت كرمان من لحظة تاريخية وصفتها بالخطيرة، حيث يتفشى الاستبداد عالمياً مهدداً بتقويض القانون الدولي والنظام القائم على القواعد لصالح نظام القوة العارية.
كما وجهت كرمان انتقادات حادة للتحولات السياسية في الولايات المتحدة، معتبرة أن صعود دونالد ترامب يمثل تهديداً وجودياً للإنجازات البشرية، ومنجزات المرأة، والأمن والسلم العالمي، واصفة توجهاته بأنها مصدر إلهام للفاشية وتراجع لقيم العالم الحر.
الاستبداد المحلي والعالمي: العدو الأول للمرأة
واستعرضت كرمان تجربة نساء الربيع العربي، مؤكدة أن معركتهن الأولى كانت ولا تزال ضد الاستبداد الذي أقصى المرأة وأفقرها وقاد البلاد إلى الانهيار.
وأشارت كرمان إلى أن الاستبداد هو الجذر الذي تتفرع منه كل أشكال الظلم، وأن المواجهة اليوم لم تعد تقتصر على الطغاة المحليين، بل تمتد لمواجهة استبداد عالمي يسعى لفرض نظام القوة العارية بدلاً من القانون الدولي، وهو ما يجرئ المستبدين حول العالم على تدمير تطلعات الشعوب وسرقة ثوراتها.
دعوة لإصلاح الأمم المتحدة وإنهاء الفيتو
وطالبت كرمان بإصلاح شامل للنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، مشيرة إلى أنه رغم معاناته من ازدواجية المعايير، إلا أن البديل لا يجب أن يكون الهدم بل الإصلاح البنيوي. ودعت إلى جعل قرارات الأمم المتحدة ملزمة، وإنهاء احتكار القرار الدولي عبر حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن، لضمان تمثيل حقيقي لدول الجنوب العالمي التي عانت من التهميش والاستغلال، وتحقيق نظام عالمي أكثر عدالة ينتصر للإنسان ويرفض الظلم والقهر.
تحذير من الفاشية الجديدة وتهديد الديمقراطية
وحذرت كرمان من انتقال زعامة معسكر الاستبداد العالمي إلى مراكز ديمقراطية كبرى، معتبرة أن صعود دونالد ترامب يمثل أكبر تهديد يواجه الإنسانية وحقوق المرأة والبيئة. ورأت أن استخدام أدوات الكراهية والتعصب واستهداف حرية الإعلام والقضاء هي أدوات فاشية كلاسيكية للسيطرة على السلطة.
واختتمت كلمتها بتوجيه رسالة تضامن إلى الشعب والمرأة في الولايات المتحدة، مؤكدة أن نضالهم لحماية مؤسساتهم هو نضال من أجل مستقبل الإنسانية جمعاء، حيث إن ضعف الديمقراطية في المركز يعني بالضرورة تقوية الاستبداد في الأطراف.
وفيما يلي نص الكلمة:
نجتمع اليوم في إطار حوار تقدم المرأة، وهو مبادرة عالمية لا تكتفي بتقييم واقع المرأة، بل تسعى إلى تغييره. هذه المبادرة تقوم على مبدأ بسيط وعادل: أن تقدم المرأة ليس شأنًا داخليًا معزولًا، بل معيار عالمي يُقاس به التزام الدول بالعدالة والحرية وكرامة الإنسان.
نحن نجتمع اليوم لمناقشة مؤشرات تقدم الدول في حقوق المرأة، ونتائج تصنيف الدول بحسب مدى التزامها بحقوق المرأة وتقدمها فيها. وأمامنا ثلاث مجموعات من الدول: دول تحقق تقدمًا حقيقيًا، ودول متراجعة عن الإصلاحات لكنها لم تتخلَّ عنها تمامًا، ودول مستمرة في التمييز وانتهاك حقوق المرأة.
أتمنى أن يمثل هذا المؤشر عامل تحفيز للدول المتقدمة، وضغطًا على الدول المترددة والمتراجعة، وآلية مساءلة للدول المنتهكة.
لكن ما شدني في هذا التقرير أنه وضع المملكة المتحدة ضمن الدول المتقدمة، وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري: ما هو المعيار الحقيقي لقياس الالتزام بحقوق المرأة؟ هل يكفي أن تحترم الدولة حقوق المرأة داخل حدودها، بينما تدعم خارج حدودها أنظمة تنتهك حقوق الإنسان وحقوق المرأة؟
إن هذا المعيار، بصيغته الحالية، معيار ناقص، ويجب إصلاحه. لأن الدولة التي تدعم الاستبداد في الخارج، أو تموّل الاحتلال، أو تساند الانقلابات والثورات المضادة، أو تتواطأ بالصمت مع القمع، لا يمكن اعتبارها دولة ملتزمة بالكامل بحقوق المرأة، مهما كان سجلها الداخلي إيجابيًا. إن حقوق المرأة لا تتجزأ، ولا يمكن الدفاع عنها في الداخل وتقويضها في الخارج.
وفي هذا السياق، أود أن أؤكد أن معركة حقوق المرأة ليست معركة مقاعد فارغة أو رمزية في ظل أنظمة مستبدة أو شبه ديمقراطية، وليست معركة برامج تمكين فقط. إنها معركة من أجل الحرية نفسها. من أجل الديمقراطية والتنمية، ومن أجل سيادة القانون.
هي معركة من أجل حقها في المشاركة السياسية الحقيقية والكاملة، وفي التعليم، وفي الصحة، وفي التمكين الاقتصادي، وفي جميع مجالات الحياة.
هذه المعركة تختصر كلها في كلمة واحدة: الحرية. وتبدأ من محور واحد: مناهضة الاستبداد المحلي والاستبداد العالمي.
وهذه كانت، ولا تزال، معركتنا المقدسة نحن نساء الربيع العربي. إسقاط الاستبداد هو طريقتنا الفاعلة للانتصار لحقوق الإنسان وحقوق المرأة.
أتذكر في عام 2011، عندما زارتنا مسؤولة أممية إلى اليمن لمناقشة سبل تعزيز حقوق المرأة، قلت لها بوضوح: المعركة الأولى للمرأة اليمنية ليست معركة من أجل تمثيل ديكوري للمرأة لتزيين هذا النظام الاستبدادي الفاشل، بل معركة ضد الاستبداد. ضد النظام الذي حرمها من التعليم، وأفقرها، وأقصاها، وقاد البلاد إلى الحروب والانهيار. لأن الاستبداد هو العدو الأول للمرأة، وهو الجذر الذي تتفرع منه كل أشكال الظلم الأخرى.
واليوم، هذه الحقيقة لم تتغير، بل أصبحت أكثر وضوحًا. لأننا نعيش لحظة تاريخية يتفشى فيها الاستبداد عالميًا. الاستبداد العالمي الذي يريد أن يقبض اليوم على أهم منجزات البشرية ومنجزات المرأة، ويريد أن يقوّض القانون الدولي، والنظام الدولي القائم على القواعد، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على أساس حماية الضعفاء كما هو حماية الأقوياء، ليحل محله نظام دولي قائم على القوة العارية.
صحيح أن هذا النظام يعاني من خلل وقصور، وظل يعاني من ازدواجية المعايير، ومن انحياز لمصالح الدول القوية على حساب العدالة، ومن ترك الاستبداد والاحتلال يدمران البلدان ويرتكبان جرائم ضد الإنسانية.
ولهذا، كنا ولا نزال نطالب بإصلاح هذا النظام، لا هدمه. نطالب بإصلاح الأمم المتحدة، وبجعل قراراتها ملزمة، لا اختيارية. ونطالب بإصلاح مجلس الأمن، وإنهاء احتكار القرار الدولي عبر حق النقض. ونطالب بنظام عالمي أكثر عدالة، ينتصر للإنسان، ويرفض الظلم والقهر، ويضمن تمثيلًا حقيقيًا لدول الجنوب العالمي التي عانت طويلًا من التهميش والاستغلال، ويساعد في نشر العدالة الاجتماعية والمساواة في جميع أنحاء العالم.
لكن هذا الخلل والقصور جعلا مستبدي العالم أكثر جرأة وشهية للتدمير والتمدد وانتهاك حقوق الإنسان، وسرقة ثورات الشعوب، بل وإحياء منطق الإمبراطوريات الذي سبق النظام العالمي القائم على القواعد.
وهذا ما لا ينبغي السماح بحدوثه، وعلينا أن نتوحد جميعًا في مواجهته. والمؤسف أن هذا التدمير الممنهج للنظام العالمي يقابَل اليوم باستسلام من بعض الدول الديمقراطية، أو بتكيف معه، بينما تحتفي به الأنظمة المستبدة.
علينا أن نقف جميعًا، كحركة نسوية عالمية وكديمقراطيين، في مواجهة الاستبداد العالمي الذي يتمدد، والذي أصبح، للأسف، أكثر قوة من قبل، حين انتقلت زعامة معسكر الاستبداد العالمي من روسيا فلاديمير بوتين إلى أمريكا دونالد ترمب.
وهذا أخطر وأكبر تهديد يواجه الإنسانية، ويواجه حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والبيئة، والاقتصاد، والأمن والسلم العالميين. حين يكون على رأس أقوى دولة في العالم، التي يُفترض أنها زعيمة العالم الحر، رئيس فاسد ومستبد وفاشي.
أنا امرأة عاشت تحت حكم الاستبداد طوال حياتها، وثارت عليه، وأسهمت في إسقاطه، ولا زلت، مع قادة شجعان في العالم العربي، نقود معركة الحرية والعدالة والديمقراطية والسلام، في مواجهة الثورات المضادة والانقلابات العسكرية والميليشيات والحروب والإرهاب والاحتلال، والقادة المستبدين في المنطقة والعالم الذين يقفون خلفها.
أعرف جيدًا من هو المستبد، وكيف يبدأ الاستبداد، وعلى ماذا يتغذى، وكيف يتسلل إلى السلطة، ويديم بقاءه فيها، وكيف يدمر الدول والمجتمعات والأفراد.
ما يحدث في أمريكا وبعض الدول الديمقراطية من انتشار للكراهية والتعصب والعنصرية والانقسام، وازدياد حدة الاستقطاب، هي أدوات المستبدين والفاشيين للوصول إلى السلطة والانقضاض عليها.
وحينما يصلون، يبدأون باستهداف حرية التعبير، واعتبار وسائل الإعلام عدوًا.
ويبدأون بعدم احترام سيادة القانون، وتقويض استقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وتجريد المؤسسات التشريعية من دورها وصلاحياتها، ثم إضعاف المؤسسات وتحويلها إلى أدوات في خدمة الحاكم والعائلة وشبكة الولاءات.
وهذا بالضبط ما يقوم به دونالد ترمب، الذي أصبح الداعم الأول للمستبدين اليوم، ومصدر إلهام للفاشية.
إن تراجع الديمقراطية في الدول الديمقراطية لا يهدد شعوبها فقط، بل يهدد العالم كله. لأنه عندما تضعف الديمقراطية في المركز، يقوى الاستبداد في الأطراف. وعندما يفقد العالم نموذجه الديمقراطي، تفقد الشعوب الأمل.
إن حقوق المرأة لا يمكن حمايتها في عالم يقوده المستبدون، ولا يمكن الدفاع عنها في نظام عالمي يتسامح مع القمع، ولا يمكن تحقيقها دون حماية الديمقراطية نفسها.
لهذا، فإن معركتنا اليوم، كنساء، هي معركة الدفاع عن الحرية، والدفاع عن القانون، والدفاع عن الديمقراطية.
لذا من المهم مساندة نضال الشعب الأمريكي، والمرأة الأمريكية، من أجل حماية ديمقراطيته ومؤسساته.
نحن معكم في نضالكم ضد دونالد ترمب، ونؤكد أن ديمقراطيتكم تحتاج إلى إصلاح حقيقي يعزز المساءلة، ويمنع البلاطجة والفاسدين والمتحرشين من الصعود إلى السلطة واختطافها عبر أدوات الديمقراطية نفسها. إصلاح يضمن تصحيح أخطائها، ويضع حدًا لسياسات دعم المستبدين وتدمير الدول، ويعيد للديمقراطية معناها الأخلاقي ومسؤوليتها الإنسانية.
هذه هي المعركة الحقيقية اليوم. إنها المعركة الأم للمرأة الأمريكية، وللمرأة في جميع أنحاء العالم، وللشعب الأمريكي، ولكل الشعوب التي تؤمن بالحرية والكرامة والعدالة.
إن نضالكم من أجل حماية الديمقراطية هو نضال من أجل حماية مستقبل الإنسانية.
كفاحكم كفاحنا،
ومعركتكم معركتنا،
وحريتكم حريتنا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



