كلمات
حديث توكل كرمان في المؤتمر الدولي “العالم القادم” - سرقسطة، إسبانيا
باتت الدول والمجتمعات مهددة بالفعل جراء تدهور الديمقراطية. هذا التدهور الديمقراطي الذي تواجهه وتصاعد حدة الكراهية والعنصرية ليس إلا نتيجة لغياب التزام قادتكم بأجندة التنمية المستدامة.
ويعود ذلك إلى تقاعسهم عن التنفيذ، وافتقارهم -كما أسلفت- إلى تفعيل التزاماتهم تجاه مجتمعاتكم وتجاه العالم ككل. ومما نعلمه جميعاً، على سبيل المثال، عندما أعلن ترامب عزمَه غزو 'جرينلاند'، شكّل ذلك تهديداً كبيراً تعالت معه صرخات أوروبا قاطبة. ماذا حدث؟ وماذا تفعل يا سيد ترامب؟ كيف ذلك؟ ويحدث كل هذا بسبب انهيار النظام الدولي؛ وهو تماماً ما شهدناه، مثلاً، في الدول العربية جراء الممارسات اليومية للاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. والأمر نفسه رأيناه في ظل الأنظمة الديكتاتورية -تلك الأنظمة الديكتاتورية التي تقتل شعوبها كل يوم- دون أي رد فعل حقيقي من المجتمع الدولي، وتحديداً من الدول الديمقراطية.
إذن، ما الذي يمكن للمجتمع الدولي أن يفعله؟ لنتحدث هنا عن الدول الديمقراطية، ولنتجاهل الأنظمة السلطوية.
يتعيّن على الدول الديمقراطية الآن أن توحد صفوفها لإنقاذ النظام العالمي، وإصلاحه من سياسة الكيل بمكيالين، وتطويره ليفي بالتزاماته تجاه العالم.
وختاماً، فإن ما يحدث اليوم -كما أقول دائماً- هو أن العولمة، للأسف، تمنح الدول الغنية كافة المزايا والمكاسب، في حين تترك الدول الفقيرة خلف الركب؛ وينطبق هذا على الديمقراطية، والاقتصاد، وحتى البيئة نفسها. لذا، فإننا بحاجة الآن إلى قادة جدد؛ قادة جدد يتولون زمام المبادرة لخطة إنقاذ العالم.
نحن بحاجة إلى قادة جدد -أو حتى أن يستفيق القادة الحاليون- ليلتزموا بإنقاذ العالم من انهيار النظام العالمي. وإلا، فلا بد لقادة جدد من بينكم، أنتم أيها الشباب، أن ينهضوا ويضعوا حداً للسياسات الحالية لحكومات العالم.
إننا بحاجة إلى قادة عالميين جدد لإصلاح النظام العالمي وإنقاذ البشرية من سياسة الكيل بمكيالين، كما أن منظمة الأمم المتحدة نفسها بحاجة إلى إصلاحات جذرية. نحن بحاجة إلى حكومة عالمية جديدة تفرض إجراءات ملزمة على الحكومات لتنفيذ التزاماتها تجاه التنمية، والعدالة، والسلام، وحقوق الإنسان، والبيئة.
وبخلاف ذلك، فإن تلك المعسكرات الديكتاتورية سوف تحتشد. إنهم يحشدون صفوفهم الآن أكثر فأكثر، وسوف يستمرون في ذلك، وعندها سيقضون على كل شيء ويهدمونه، وسوف يختطفون كل الإنجازات.
ولن يقتصر هذا الضرر علينا نحن -كشعوب تعيش في دول فقيرة أو تعاني من وطأة الأنظمة السلطوية- بل إن الدول الديمقراطية، أو تلك الدول التي تدعي الديمقراطية والقوى العظمى، ستعاني الأمرّين مثل الآخرين تماماً، إذا لم تستفق الآن كشعوب، وكمنظمات مجتمع مدني، وكحكومات.
لا ينبغي لنا أن نسمح لأمثال فلاديمير بوتين، أو نتنياهو، أو ترامب، أو لتلك الشركات الكبرى فاحشة الثراء، وللأشخاص الذين يملكون المليارات، أن يدمروا بلداننا، ومناخنا، واقتصادنا، والسلام نفسه. هذا هو الأمر الأهم على الإطلاق.
ثانياً، يتعين عليكم إعداد أنفسكم لتكونوا قادة؛ يجب أن تؤهلوا أنفسكم لأنه لا وجود لقادة صالحين في عالمنا اليوم. نحن بحاجة إلى قادة جدد يحررون العالم من هذا الجشع ومن هذا الجنون. وأنا على يقين من أن القادة الجدد سينجزون عملاً عظيماً. لذا، نحن بحاجة إليكم كقادة، وأن يردد كل منكم: 'أنا القائد، أنا من سيكون قائداً، وأنا من سيقود البلاد'.
والمسألة الأخيرة التي أود طرحها تتعلق بالقطاع الخاص، وهي غاية في الأهمية؛ فلا يقتصر الأمر على أن تكونوا قادة في مجال بعينه، بل يجب أن تكونوا قادة في كل مكان وفي شتى الميادين. ينبغي لكم الانخراط في الحياة العامة، وأن تقودوا منظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والشركات، والأحزاب السياسية، والبرلمانات، وما إلى ذلك. وهنا، سأختم بنقطة بالغة الأهمية تتعلق بالالتزام الاجتماعي للقطاع الخاص.
هذا أمر حيوي للغاية، ويتطلب منكم الحديث عن التراجع الحاصل في الالتزام بدعم التنمية، ومحاربة الفقر، ودعم قطاع الصحة، وغير ذلك.
إن ما نشهده الآن هو نكوص عن الالتزامات التي قُطعت قبل ثلاث سنوات، التزامات نابعة من التعاطف، ومساندة الفقراء والدول النامية، ومكافحة الفقر، ودعم مجالي الصحة والتعليم.
إننا نرى نية واضحة لدى الدول للتراجع عن وعودها؛ ولم يقتصر الأمر على تقاعسهم عما كان ينبغي عليهم فعله فحسب، بل إنهم تراجعوا كلياً عن تلك الالتزامات. على سبيل المثال، انسحبت الولايات المتحدة من ستين منظمة ومؤسسة دولية، بدءاً من اتفاقية باريس للمناخ، ومروراً بمجلس حقوق الإنسان، ووصولاً إلى العديد من الاتفاقيات الأخرى.
وبالتزامن مع ذلك، تخلت عن 5500 برنامج تنموي مخصص لتقديم المساعدات الإنسانية، بسبب الخفض الهائل في حجم المعونات. ومن هنا، فإنني أحث القطاع الخاص على زيادة دعمه للشعوب، وتعزيز التزامه الاجتماعي، على غرار ما نشهده اليوم مع مؤسسة 'ليبريكارا' .
إننا نتحدث عن 150 عاماً من الالتزام الاجتماعي. لذا، أدعوكم لبذل المزيد، والمزيد لحسم المسألة ومساعدة الناس. هذا هو التزامكم الاجتماعي؛ التزامكم لخدمة العالم في محاربة الفقر، ونشر التعليم، ونصرة حقوق الإنسان. وإذا تراجعت الحكومات، فلا بد للشركات أن تتصدر المشهد؛ فلا ينبغي أن يكون وجودكم في الشركات مقتصراً على جني الأرباح أو نشر الفساد، بل يتوجب عليكم مساندة الشعوب والمساهمة في إنقاذ العالم.
ختاماً، أنا متفائلة بالمستقبل؛ متفائلة جداً لأنني أؤمن بالشباب، ولأنني متواجدة هنا اليوم في إسبانيا. شكراً جزيلاً لكم -Muchas gracias- لإسبانيا.
إن إسبانيا تؤدي دوراً ريادياً في نصرة العدالة، والعدالة أمر جوهري. وإلى إسبانيا؛ حكومةً، وبرلماناً، ومنظمات مجتمع مدني، ووسائل إعلام، وشعباً -Muchas gracias- لأنكم أنتم من يكسر قيود الخوف من الظلم حول العالم، لا سيما في هذه الأيام التي تشهد حروباً وإبادات جماعية. إن أصواتكم المدوية كدولة تمنحني تفاؤلاً عظيماً، فضلاً عن الدور الذي تقوم به...
شكراً لكِ إسبانيا، من أعماق قلبي. وهذه رسالة من الشعوب في بلداننا ومن العالم أجمع: شكراً لكم حقاً، وواصلوا شجاعتكم؛ فنحن في أمسّ الحاجة إلى هذا—إلى قيادة شجاعة، وشعب شجاع، وشركات شجاعة.
بالنسبة لي، وكما أقول دائماً، السلام ليس 'التزام الهدوء'. لقد قالوا لي -خاصة بعد فوزي بجائزة نوبل للسلام- إن السلام يقتضي منكِ أن تكوني امرأة بالغة الحكمة، تتحدثين بنبرة هادئة وبطيئة للغاية، وتلقين المحاضرات من أعلى الجبال، وألا تتحدثين عن الظلم، وألا تشيرين بأصابع الاتهام في وجه الديكتاتوريات. كلا- ليس هذا هو السلام مطلقاً. السلام بنظري هو مواصلة الكفاح من أجل العدالة، ومواصلة المعركة ضد الحروب، وضد الفساد، وضد القمع والظلم؛ هو النضال من أجل المساواة، والحرية، والديمقراطية، والعدالة البيئية والاقتصادية. هذا هو السلام الحقيقي في مفهومي.
هذا هو تعريفي للسلام، وهو تعريف ثابت لم ولن يتغير. هذا هو السلام الذي ناضلت من أجله منذ اليوم الأول، عندما رفعت صوتي عالياً مطالبةً بالحرية والديمقراطية. وهو ذاته السلام الذي أكافح من أجله الآن؛ ففي السابق، كان نضالي ضد ديكتاتور واحد في بلدي، أما الآن، فهو ضد الديكتاتوريات في شتى أنحاء العالم. إنني أعمل من أجل ضمان السلام في كل مكان، وفي كل ميدان، وضد كل طاغية على وجه الأرض. ولست وحدي، بل يشاركوني الكثير من الأحرار الشغف ذاته، ومعاً.. نحن كابوس الديكتاتوريين. هذا هو السلام؛ عالم بلا دكتاتورية.. هذا هو السلام.
إن كل تلك القيم.. من حرية، وديمقراطية، ومساواة، وعدالة، ومساءلة.. يمكنني اختزالها وتجسيدها في كلمة واحدة بسيطة يفهمها الجميع، ألا وهي 'التعاطف الإنساني'. والتعاطف يعني الشرج والحرقة بآلام الشعوب حول العالم - أولئك الذين يعانون من الظلم، ومن الديكتاتورية، والفقر، والجهل. إنه التعاطف النابع من شعورنا بأننا ننتمي إلى إنسانية واحدة، وأنه يتحتم علينا مؤازرة بعضنا البعض، وأن يسود الحب بيننا.
يجب علينا مجابهة كافة أشكال العنصرية، والعنف، والكراهية، ودعم الطغاة، ورعاية الفساد، وما إلى ذلك. هذا هو جوهر التعاطف: أن نكون عوناً للناس، وأن نساند المجتمعات والأسر- بكل ما نملك من مقومات في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والبيئية، والآن.. في الفضاء الرقمي أيضاً."

